حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

228

التمييز

الخلائق الرّضية ، واهتدى بنجوم الفضلاء في اقتفاء الطرائق المرضيّة ، كان خليقا أن يوصف بالنّفس الزكية الأحزمية « 1 » ، وجديرا أن يعرف بالهمة العليّة البهيّة ، وذو الهمّة العلية والنفس الزكية يرغب في الحظّ الوافر والنصيب الأوفر ، ومن لم يتفقّد أعماله فيعلم ما عليه وما له فقد خسر الرّبح وأضاع النّصح . ينبغي للعاقل أن لا يسامح نفسه في هذه الصبوة ولا يصالحها على هذه الشهوة ، وقد علمنا من قوله تعالى وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ « 2 » أن لو كانت في العالم خصلة هي أصلح للعبد من هذه الخصلة التي هي التقوى كان اللّه تعالى أوصى / 103 أ / عباده بذلك . وهو أعلم بصلاح العباد . وعلمنا أن هذه الخصلة هي الجامعة لخير الدّنيا والآخرة الكافية لجميع المهمات المبلّغة إلى أعلى الدّرجات . ومن لم يصن نفسه عن اتّباع هواها ولا يخوّفها عاقبة رداها ساقته إلى قرار عطب لا نجاة لمن رآها . فسبيل من أيقظه اللّه من رقدة هواه ، وأفاض عليه من نور هداه ، أن يعتبر بعاقبة من أوبقه « 3 » الحرص فأراده ، ويعلم أنّ الانسان يؤاخذ بتفريطه يوم ينظر المرء ما قدّمت يداه ، ومن أعانته العناية الإلهية بالتّوفيق ، انتهز الفرصة فانّها خلسة تثبت عند رأس الامر ولا تثبت عند آخره . ربّ متخوّض فيما اشتهت نفسه ليس له يوم القيامة إلّا النار ، من رزق العقل دلّه على أسباب السعادة ، ومن رزق السعادة لم يبق له غاية يطلبها لانّ السعادة غاية كلّ مطلوب ، شعر ( الطويل ) لعين تفدّى ألف عين وتتّقى ويكرم ألف للحبيب المكرّم وقال أبو حازم : شيئان هما خير الدّنيا والآخرة ، إن عملت بهما تحمل ما تكره ،

--> ( 1 ) الاحزمية : المنضبطة . ( 2 ) سورة النساء : آية ( 131 ) . ( 3 ) أوبقه : أهلكه ، لسان العرب ( مادة : وبق ) .